الشنقيطي
457
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أول القلم : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) [ القلم : 2 ] وقوله في التكوير وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ( 22 ) [ التكوير : 22 ] وكقوله في نفي الصفتين الأخيرتين أعني الكهانة والشعر : وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ( 41 ) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) [ الحاقة : 41 - 42 ] ، وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الشعراء وغيرها . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ( 30 ) أي ننتظر به حوادث الدهر ، حتى يحدث له منها الموت ، فالمنون : الدهر ، وريبه : حوادثه التي يطرأ فيها الهلاك والتغيير ، والتحقيق أن الدهر هو المراد في قول أبي ذؤيب الهذليّ : أمن المنون وريبه تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع لأن الضمير في قوله : وريبه يدل على أن المنون الدهر ، ومن ذلك أيضا قول الآخر : تربص بها ريب المنون لعلها * تطلق يوما أو يموت حليلها وقال بعض العلماء : المنون في الآية الموت ، وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب ، ومنه قول أبي الغول الطهويّ : هم منعوا حمى الوقبي بضرب * يؤلف بين أشتات المنون لأن الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبا ، جاءوا من جهات مختلفة ، فجمع الموت بينهم في محل واحد ، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى . قوله تعالى : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 34 ) [ 34 ] . قد قدمنا أن اللّه تحداهم بسورة واحدة من هذا القرآن في سورة البقرة في قوله : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ البقرة : 23 ] الآية . وفي سورة يونس في قوله تعالى قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ يونس : 38 ] الآية . وتحداهم في سورة هود بعشر سور منه في قوله : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ هود : 13 ] الآية . وتحداهم في سورة الطور هذه به كله في قوله فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ الآية . وبين في سورة بني إسرائيل أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك في قوله قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء : 88 ] الآية . وقد أطلق جل وعلا اسم الحديث على القرآن في قوله هنا : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ كما أطلق عليه ذلك في قوله اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [ الزمر : 23 ] الآية ، وقوله تعالى ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [ يوسف : 111 ] الآية .